سميح عاطف الزين
178
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ويخفف عنه شدة التعب ، حتى وصلت القافلة إلى بصرى من أرض الشام ، فأناخت رحالها ، وانصرف كل واحد إلى القيام بما عهد إليه في توزيع المهام ، من تدبير الشؤون التي تحتاجها القافلة . وهنالك ، وفي ظل شجرة كبيرة استلقى محمد ، واضطجع عمه إلى جانبه يستريحان . . وكان غير بعيد عن تلك الشجرة صومعة أقيمت على الرابية من تلك الناحية التي تنيخ القوافل رحالها فيها . . وكان الرجال يعرفون راهب تلك الصومعة الذي يعيش للعبادة والتأمل ، واغتراف ما في بطون الكتب من علم ومعرفة ، وقد توطّدت معرفتهم به نظرا لما كان يقدم لهم من عون في بعض الأمور التي يحتاجونها كلما نزلوا بالقرب من صومعته . ووقف الراهب ، كعادته ، يطل من نافذته على القافلة ، فيشدّه دبيب هؤلاء الرجال وأصواتهم التي تتعالى وهم على نفس الانهماك والانشغال اللذين ألفهما كلما أناخت القوافل بالقرب منه . واسترعى انتباهه ، في وقفته تلك ، هذا المشهد الذي يجذب إليه ، رغما عنه ، كلّ من يرى رجلا مهيبا ، تبدو عليه علائم النبل والشرف ، ومسحة الجد والوقار ، وقد استرخى إلى جانب فتى كأن لا همّ له إلّا حراسته ، والاطمئنان عليه بقربه . . وسرعان ما أحسّ الراهب بأن نفسه تلحّ عليه في رؤية هذا الفتى ، وقد ظهر له وكأن نورا يشع من وجهه ، فبعث في دعوة أبي طالب وفتاه لزيارته . وكان محمد قد أخذ قسطا وافرا من الراحة ، فذهب إلى الصومعة ، وجرى العناق بينه وبين الراهب بحيرا . ثم جلسا يتجاذبان الأحاديث ، والراهب يسأل الرجل عن كلّ ما يتعلق بالغلام ، وعن الأحوال في قلب الجزيرة ، وما يفعل اليهود ، في تلك البلاد ، وخاصة